الشيخ الطبرسي
203
تفسير مجمع البيان
الذين يكذبون على الله أنه يصيبهم يوم القيامة على افترائهم على الله أي : لا ينبغي أن يظنوا أن يصيبهم على ذلك إلا العذاب الشديد ، والعقاب الأليم ( إن الله لذو فضل على الناس ) بما فعل بهم من ضروب الإنعام ( ولكن أكثرهم لا يشكرون ) نعمه ، ويجحدونها . وهذا الكلام خرج مخرج التقريع على افتراء الكذب ، وإن كان في صورة الاستفهام ، وتقديره : أيؤديهم افتراؤهم الكذب إلى خير أم شر . وقيل : إن معنى قوله ( لذو فضل على الناس ) أنه لم يضيق عليهم بالتحريم كما ادعيتم ذلك عليه . وقيل : معناه إنه لذو فضل على خلقه بترك معاجلة من افترى عليه الكذب بالعقوبة في الدنيا ، وإمهاله إياهم إلى يوم القيامة . ثم بين سبحانه أن إمهاله إياهم ، ليس لجهل بحالهم ، فقال : ( وما تكون في شأن ) أي : ما تكون أنت يا محمد في حال من الأحوال ، وفي أمر من أمور الدين ، من تبليغ الرسالة ، وتعليم الشريعة ، وغير ذلك ( وما تتلوا منه من قرآن ) أي : وما تقرأ من الله من قرآن . وقيل : من الكتاب من قرآن ، والقرآن يقع على القليل والكثير منه . وقيل : إن الهاء تعود إلى الشأن أي : وما تتلو من الشأن من قرآن . ( ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا ) أي : ولا تعمل أنت وأمتك من عمل إلا كنا عالمين به ، شاهدين عليكم به ( إذ تفيضون فيه ) أي : تدخلون فيه ، وتخوضون فيه ( وما يعزب عن ربك ) أي : وما يبعد ، وما يغيب عن علم ربك ، ورؤيته ، وقدرته ( من مثقال ذرة ) أي : وزن نملة صغيرة ( في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ) من وزن نملة ( ولا أكبر إلا في كتاب مبين ) أي : في كتاب بينه الله فيه قبل أن خلقه ، وهو اللوح المحفوظ . وقيل . أراد به كتاب الحفظة الذي كتبه الملائكة السفرة ، وحفظوه . وقال الصادق عليه السلام : كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا قرأ هذه الآية بكى بكاء شديدا النظم : قيل في اتصال الآية الأولى بما قبلها : انها اتصلت بقوله : ( قل من يرزقكم من السماء والأرض ) فإذا قرأوا أنه الرزاق قيل لهم : أجعلتم ما رزقكم بعضه حراما ، وبعضه حلالا ، عن أبي مسلم . وقيل : لما وصف القرآن بأنه هدى ورحمة ، وأمرهم بالتمسك بما فيه ، عقبه بذكر مخالفتهم لما جاء في القرآن ، وتحريمهم ما أحل الله .